السيد كمال الحيدري

162

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

المرحلة الثانية عشرة . فهي علّةٌ تامّةٌ لما سواه بما فيه الصادر الأوّل ؛ إذ لا يعقل توقّف صدور الصادر الأوّل على شيءٍ آخر ؛ لانتفاء كلّ شيءٍ في تلك المرتبة غير ذاته تعالى ، إذ كيف يتوقّف صدور الصادر الأوّل على شيءٍ آخر ، والحال أنّه لم يصدر منه تعالى أيّ شيء . فالواجب تعالى علّةٌ تامّةٌ للصادر الأوّل ، والعلّة التامّة إذا وجدت لابدّ أن يوجد المعلول ، لأنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد . فنسبة الواجب إلى الصادر الأوّل نسبة الوجوب لا الإمكان . ومن هنا يتّضح : أنّ قدرة الحيوان - وهي القوّة إذا اقترنت بالعلم والإرادة - لا تنطبق على قدرة الواجب تعالى ، لأنّ قدرة الحيوان قدرةٌ ناقصةٌ لتحقّق الفعل ، ونسبتها إلى تحقّق الفعل هي الإمكان ، أمّا قدرة الواجب فهي علّةٌ تامّةٌ لتحقّق الفعل ونسبتها إلى الفعل نسبة الوجوب لا الإمكان . نعم ، بالنسبة إلى عالم المادّة ، الواجب علّة تامّة أيضاً ، لكنّ الأمور المادّية يتوقّف تحقّقها على أشياء أخرى ، وهذه الأشياء التي يتوقّف عليها الفعل المادّي لا ترجع إلى قصورٍ في فاعليّة الفاعل ، وإنّما ترجع إلى نقص قابليّة القابل . مضافاً إلى أنّ قدرة الحيوان قيد الإرادة لأنّه القوّة مقترنةٌ بالعلم والإرادة ، وقد تقدّم في المقدّمة الثالثة : أنّ الإرادة بمعنى الشوق الأكيد يستحيل أن يتّصف بها الواجب تعالى ، لأنّ الإرادة بهذا المعنى ملازمة لفقدان الكمال ؛ لأنّ الشوق إلى الفعل يلازم فقدان الكمالٍ ، والواجب تعالى يستحيل أن يكون فاقداً لكمال من الكمالات كما سيأتي تفصيله في المرحلة الثانية عشرة . إذن قدرة الحيوان لا تصدق على قدرة الواجب ؛ لأنّ قدرة الحيوان يصحّ معها الفعل والترك ، أي : فيها نسبة الإمكان إلى الفعل ، أمّا قدرة الواجب